هكذا كانوا فى الليل

تقليص
X
تقليص
يُشاهد هذا الموضوع الآن: 0 (0 أعضاء و 0 زوار)
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • بن الإسلام
    6- عضو متقدم

    حارس من حراس العقيدة
    • 30 سبت, 2009
    • 961
    • محاسب ولكنى داعى الى الله
    • مسلم

    #1

    هكذا كانوا فى الليل



    هكذا كانوا في الليل




    هل من الممكن أن يصير الليل المظلم مُشرق الأنوار؟
    أو يتعطر الصمت المطبق بآيات القرآن؟.
    نعم، يمكن أن يتبدد السكون الموحش
    بانحناء الأصلاب وسجود الجباه،
    ويتبلل الجفاف اليابس بدموع الأسحار، وخشوع القلوب،

    وتزكية الأنفس زكية، وذكر الألسن،
    وسهر الأعين، وجباه ساجدة، وجنوب متجافية.

    إنه مساء الصالحين وليل العابدين.


    إنها همة المتهجدين ولذة المتضرعين.
    إنه أنس المنفردين وحب المخلصين.
    إنها مجاهدة السالكين ومكابدة المرابطين؛ الله أكبر،
    ما أروع هذا الليل وما أحبه وما أمتعه وما أروعه.


    أين هذا الليل من نوم طويل وركون ثقيل وغفلة تامة؟
    شتان بين النور والظلمة،
    وبين السمو والدنو،
    وبين الثرى والثريا.

    إنه قيام الليل أيها النائمون،
    اسمعوا النداء ممن عمروه بالطاعات، وملئوه بالصلوات.

    فهذا "زمعة العابد"
    كان يقوم فيصلي ليلا طويلا
    فإذا كان السَحَر نادى بأعلى صوته:
    " يا أيها الركب المعرسون،
    أَكُل هذا الليل ترقدون؟ ألا تقومون فترحلون"،
    فإذا طلع الفجر نادى:
    " عند الصباح يحمد القوم السرى"

    [صفة الصفوة 2/229-230].


    ليلة بينهم..
    دعني أريك ليلهم،
    بل دعني وإياك نقضي ليلة معهم.
    هذا أبو هريرة رضي الله عنه
    " كان هو وامرأته وخادمه
    يقسمون الليل ثلاثا، يصلي هذا
    ثم يوقظ هذا "
    [نزهة الفضلاء 1/199].

    فالليل كله صلاة ومناجاة،
    ودموع وخشوع، وذكر وشكر،
    والشعار لا للفرش الوثيرة،
    والنوم اللذيذ.

    إنهم الموصوفون بأبلغ قول وأعظم صورة في قوله تعالى:
    ** تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبهُمْ خَوْفا وَطَمَعا }
    [السجدة:16]،
    يرسم القرآن لهم " صورة المضاجع في الليل
    تدعو الجنوب إلى الرقاد والراحة والتذاذ المنام
    ولكن هذه الجنوب لا تستجيب؛
    لأن لها شغلا عن المضاجع اللينة
    والرقاد اللذيذ شغلا بربها، شغلا بالوقوف في حضرته،
    والتوجه إليه في خشية
    وفي طمع يتنازعهاالخوف والرجاء"


    [الظلال5/2812-2813].


    لا أنام الله عيني

    استمع إلى يزيد الرقاشي وهو يقول:
    "إذا نمتُ فاستيقظتُ ثم عدتُ في النوم فلا أنام الله عيني"

    ، وتأمل هذا الحوار مع الفراش
    حيث كان عبد العزيز بن أبي رواد

    " يُفرش له فراشه لينام عليه بالليل،
    فكان يضع يده على الفراش ويتحسسه

    ثم يقول:
    ما ألينك، ولكن فراش الجنة ألين منك
    ثم يقوم إلى صلاته.


    هؤلاء القوم مشغولون عن النوم المريح اللذيذ
    بما هو أروح منه وأمتع،

    مشغولون بالتوجه إلى ربهم،
    وتعليق أرواحهم وجوارحهم به،

    ينام الناس وهم قائمون ساجدون،
    ويخلد الناس إلى الأرض وهم يتطلعون إلى عرش الرحمن
    ذي الجلال والإكرام "
    [الظلال 5/2578].


    ولله در الفضيل بن عياض وهو يعرض وضعا شعوريا
    إيمانيا بديعا؛

    حيث يقول:
    " أدركت أقواما يستحيون من الله في سواد هذا الليل
    من طول الهجعة، إنما هو على الجنب
    فإذا تحرك قال:
    ليس هذا لكِ، قومي خذي حظكِ من الآخرة.


    ولا تنس أنهم كانوا بذلك التعب يتلذذون،
    وبالقيام يفرحون، وبعيون غير أعيننا إلى الليل ينظرون.
    فهو عندهم موطن تنتعش فيه الأرواح،
    وتبتهج وترتاح، وتتقلب بين مسرات وأفراح،

    وتكثر من المساءلة والإلحاح.
    فهي قائمة بين يدي خالقها، عاكفة على مناجاة بارئها،
    تتنسم من تلك النفحات،
    وتقتبس من أنوار تلك القربات،
    وما يَرِدُ عليها في تلك المقامات "
    [الصلاة والتهجد ص301].


    ولذا جاءت وصاياهم وقد عملوا،
    وتذكيرهم وقد اعتبروا، وحثهم وقد سبقوا،
    فها هو الحسن ينادي بكم قائلا:
    " كابِدوا الليل، ومدوا الصلاة إلى السحر
    ثم اجلسوا في الدعاء والاستكانة والاستغفار"


    [الصلاة والتهجد ص303].


    اسجد واقترب

    وقال أبو محمد الجريري:
    " قصدتُ الجنيد فوجدتُه يصلي فأطال جدا،
    فلما فرغ قلتُ:
    قد كبرتَ وَوَهَنَ عَظْمُكَ
    ورق جلدكَ وضعفتْ قوتكَ
    ولو اقتصرتَ على بعض صلاتك،
    فقال: اسكت، طريق عرفنا به ربنا،
    لا ينبغي لنا أن نقتصر منه على بعضه،
    والنفس ما حملتها تتحمل،
    والصلاة صلة والسجود قربة
    ولهذا قال تعالى:
    ** وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ }،

    ومن ترك طريق القرب يوشك أن يُسلَك به طريق البعد"
    [الصلاة والتهجد ص309].

    ويجدد أبو سليمان الداراني هذا الفقه،
    ويبين هذا الشعور بقوله:

    " أهل الليل بليلهم ألذ من أهل اللهو بلهوهم،
    ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا،
    ولو لم يعط الله تعالى أهل الليل في ثواب صلاتهم
    إلا ما يجدون من اللذة فيها
    لكان الذي أعطاهم أفضل من صلاتهم

    [الصلاة والتهجد ص 311].



    في ظلمة الليل للعباد أنوار ***
    منها شموس ومنها فيه أقمار


    تسري قلوبهم في ضوئهن إلى ***

    ذاك المقام ومولاهم لهم جار

    تخالهم ويك موتى لا حراك بهم ***
    وهم مع الله إقبال وإدبار

    إن ينطقوا فتلاوات وأذكار ***
    أو يسكتوا فاعتبار وأفكار

    مستيقظين لذي الذكرى فكلهم ***
    لذا التذكرِ أسماع وأبصار

    ولم يستثقلوا القيام لأن النفوس راغبة،
    والنوايا صادقة، والخشية غامرة،


    " وإذا قوي الباعث وكثرت الرغبة،
    وعظمت الرهبة، نشطت النفس وخف الجسد،
    وذل الصعب، وهانت المؤنة "

    [الصلاة والتهجد ص315].


    وإليك الترجمة العملية لذلك
    فيما قاله رجل لحممة العابد:

    "ما أفضل عملك ؟
    فقال:
    " ما أتتني صلاة قط إلا وأنا مستعد لها ومشتاق إليها،
    وما انصرفت من صلاة قط إلا كنت
    إذا انصرفت منها أشوق إليها مني حيث كنت فيها،
    ولولا أن الفرائض تقطع لأحببت
    أن أكون ليلي ونهاري قائما راكعا ساجدا "

    [الصلاة والتهجد ص316].


    شوق وظمأ

    فذلك هو الشوق والتعلق والذوق والتعبد.
    وتتصل القلوب بالله؛
    عندما تراها ظامئة للعبادة،
    ترتشف ولا ترتوي، تزيد ولا تحيد.
    وتتلذذ النفوس بالذكر،
    وتغترف ولا تنصرف، تنصب ولا تتعب،
    إذ " كان صلة بن أشيم يقوم الليل
    حتى يفتر فما يجيء إلى فراشه إلا حبوا "


    [الصلاة والتهجد ص288].

    ويقتدي المؤمنون حقا في قيام الليل
    بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم.

    وقد خاطبه ربه:
    ** يَاأَيهَا الْمُزملُ * قُمِ الليْلَ إِلا قَلِيلا } وناداه مولاه:
    ** وَمِنَ الليْلِ فَتَهَجدْ بِهِ نَافِلَة لَكَ }،

    فقام ليله بلا مزيد عليه وسئل عن إتعاب نفسه
    وقد تورمت قدماه فقال
    - وما أعظم ما قال -:
    "أفلا أكون عبدا شكورا".

    ومن هنا جاء وصفهم بلسان الحسن
    حيث قال:
    " صحبت أقواما يبيتون لربهم
    في سواد هذا الليل سجدا وقياما،
    يقومون هذا الليل على أطرافهم،

    تسيل دموعهم على خدودهم،
    فمرة ركعا ومرة سجدا،
    يناجون ربهم في فكاك رقابهم،
    لم يَمَلُوا كلال السهر لما قد خالط قلوبهم
    من حسن الرجاء في يوم المرجع،
    فأصبح القوم بما أصابوا من النصب لله في أبدانهم فرحين

    وبما يأملون من حسن ثوابه
    فرحم الله امرأ نافسهم في مثل هذه الأعمال،
    ولم يرض من نفسه لنفسه بالتقصير في أمره باليسير من فعله،

    فإن الدنيا عن أهلها منقطعة،
    والأعمال على أهلها مردودة "
    ثم يبكي حتى تبتل لحيته بالدموع

    [التهجد وقيام الليل ص 340-341].


    وحالهم يطول وصفه،

    والسعيد من اقتدى بهم،


    ولي ولكم أقول:
    " هكذا كانوا.. فهل نكون ؟ ".


عن الكاتب

تقليص

بن الإسلام مسلم اكتشف المزيد حول بن الإسلام

مواضيع ذات صلة

تقليص

المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
ابتدأ بواسطة ابدأ بنفسك, 29 أبر, 2013, 03:33-م
ردود 0
743 مشاهدات
0 ردود الفعل
آخر مشاركة ابدأ بنفسك
بواسطة ابدأ بنفسك
ابتدأ بواسطة في حب الله, 22 أغس, 2010, 10:17-م
ردود 280
49,939 مشاهدات
0 ردود الفعل
آخر مشاركة في حب الله
بواسطة في حب الله
ابتدأ بواسطة حفيده عائشه, 25 سبت, 2008, 10:59-م
ردود 0
1,308 مشاهدات
0 ردود الفعل
آخر مشاركة حفيده عائشه
بواسطة حفيده عائشه
ابتدأ بواسطة التائب من المعاصى, 18 ماي, 2013, 04:09-ص
رد 1
698 مشاهدات
0 ردود الفعل
آخر مشاركة أحمد.
بواسطة أحمد.
ابتدأ بواسطة Nooon, 25 أبر, 2007, 02:29-م
ردود 4
1,907 مشاهدات
0 ردود الفعل
آخر مشاركة Nooon
بواسطة Nooon
ابتدأ بواسطة احمد فهمى, 28 يول, 2011, 01:22-ص
ردود 0
934 مشاهدات
0 ردود الفعل
آخر مشاركة احمد فهمى
بواسطة احمد فهمى
ابتدأ بواسطة ابو مريم الجزائري, 14 ينا, 2009, 09:27-م
رد 1
1,421 مشاهدات
0 ردود الفعل
آخر مشاركة نور الهداية
بواسطة نور الهداية
ابتدأ بواسطة داعية صغيرة, 22 مار, 2009, 10:20-م
رد 1
1,257 مشاهدات
0 ردود الفعل
آخر مشاركة أمة الرحمن
بواسطة أمة الرحمن
ابتدأ بواسطة حاملة اللواء, 24 ديس, 2011, 04:28-م
ردود 0
1,349 مشاهدات
0 ردود الفعل
آخر مشاركة حاملة اللواء
ابتدأ بواسطة ابن النعمان, 21 سبت, 2010, 04:25-م
ردود 0
4,495 مشاهدات
0 ردود الفعل
آخر مشاركة ابن النعمان
بواسطة ابن النعمان
ابتدأ بواسطة مسلم للأبد, 17 أغس, 2010, 08:30-م
رد 1
3,072 مشاهدات
0 ردود الفعل
آخر مشاركة مسلم للأبد
بواسطة مسلم للأبد
ابتدأ بواسطة خالد بشير, 27 فبر, 2010, 10:56-ص
ردود 4
8,575 مشاهدات
0 ردود الفعل
آخر مشاركة أبو حمزة
بواسطة أبو حمزة
ابتدأ بواسطة فارس الميـدان, 24 يول, 2014, 02:48-م
ردود 2
1,962 مشاهدات
0 ردود الفعل
آخر مشاركة سدرة
بواسطة سدرة
ابتدأ بواسطة solema, 23 مار, 2010, 04:20-ص
ردود 5
12,099 مشاهدات
0 ردود الفعل
آخر مشاركة نصرة الإسلام
ابتدأ بواسطة أحمد عبدالله., 19 يول, 2012, 09:54-ص
ردود 7
3,757 مشاهدات
0 ردود الفعل
آخر مشاركة عاشق طيبة
بواسطة عاشق طيبة

مواضيع من نفس المنتدى الحالي

تقليص

المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
ابتدأ بواسطة kanrya, 16 ينا, 2011, 06:29-م
ردود 342
57,493 مشاهدات
0 ردود الفعل
آخر مشاركة نصرة الإسلام
ابتدأ بواسطة العبادي محمد, 10 فبر, 2015, 12:04-ص
ردود 173
17,893 مشاهدات
0 ردود الفعل
آخر مشاركة العبادي محمد
ثابت: صحح أقوالك
بواسطة ام مريم
ابتدأ بواسطة ام مريم, 2 ماي, 2007, 03:57-م
ردود 167
44,005 مشاهدات
1 رد فعل
آخر مشاركة عاشق طيبة
بواسطة عاشق طيبة
ابتدأ بواسطة رسالة حق, 30 أكت, 2006, 06:04-م
ردود 126
23,428 مشاهدات
0 ردود الفعل
آخر مشاركة نصرة الإسلام
ابتدأ بواسطة محب المصطفى, 22 ينا, 2014, 07:44-م
ردود 117
13,826 مشاهدات
0 ردود الفعل
آخر مشاركة محب المصطفى
بواسطة محب المصطفى
يعمل...